السبت 30 محرم 1439 ,أكتوبر 21 2017

لماذا كتاب



 جمال الشحي | المؤسس

“الزمن هو الذي يحكم.. الزمن هو المقامر الآخر قبالتنا..على الجانب الآخر من الطاولة.. وفي يده كل أوراق اللعب وعلينا نحن أن نحزر الأوراق الرابحة في هذه الحياة”

جوزيه ساراماغو سألني صديق عزيز يوما: هل قرأت “رواية العمى” لجوزيه سراماغو فأجبته بالنفي وصديقي من النوع الذي يتلذذ بكلمة “لا” ليمطرك بعدها بسيل من المعلومات عن الذي لم تعرفه!
خسرت! وأنا الذي كنت أعتقد أنني لا أهزم عندما يأتي الحديث عن القراءة ومما أغاظني كثيرا جملته بعدها “غريبة كيف لم تقرأها “ وضعتها في قائمة كتبي وعندما حان وقتها وأنا بين الصفحات كأن أصابني العمى مثل أبطال القصة.
وبعيدا عن هذه الرواية الإنسانية الباذخة والترجمة الجميلة، تساءلت لماذا كتب هذه الرواية ؟ ولماذا نحن نكتب؟

يقول واسيني الأعرج “نعم نكتب لأننا نريدُ من الجرح ان يظل حياً ومفتوحا. نكتبُ لأن الكائن الذي نحب ترك العتبة وخرج ونحن لم نقل له بعد ما كنّا نشتهي قوله . نكتبُ بكل بساطه لأننا لا نعرفُ كيفَ نكره الآخرين، ولربما لأننا لا نعرفُ أن نقولَ شيئا آخر”.
الكتابة مثل الصرخات في الوسادة ، نحتاجها لنفرغ طاقات ومشاعر مكبوة، نحتاجها لننسى رغم ان كلمتاتنا تذكرنا، نكتب لنغير ونتغير، نكتب في العالم الافتراضي لتصل حروفنا إلى العالم الحقيقي، نكتب لنخفف أوزاننا كم نحن ثقلاء بكلماتنا وعسى ويا ليت وأتمنى أن ينتبه لنا من نريده أن ينتبه لنا، أعترف الآن أنني أكتب لك أنت وأعترف أيضا أنني سأظل أكتب عنك.
أؤمن دوما أن هناك حكاية لم ترو بعد لا تزال تنتظر، أقلام نائمة على مكاتبنا تريد أن تستيقظ، أوراق عطشى للحبر، أفكار مبعثرة مثلنا، تنتظرنا لنرتبها، ونكتبها لترتبنا.
في هذا العالم تبقى الكتابة الشاهد الأول والمتهم الأخير

عندما يستطيع كاتب أن ينقلك إلى عالمه، حينما تتأثر بشخصياته، وبقدراته يوقف زمانك لتدخل إلى زمانه، يصبح الخروج صعبا وترجع مترنحا لعالمك، أنت الآن لم تفق بعد من سكرة الكلمات، أن تكون بين عالمين عليك وقتها أن تختار وهذا هو التغيير! قوة الكلمات أحيانا تصيبك في مقتل، أنت لست كما كنت سابقاً، تستطيع جملة أن تغيرنا فما بالك بكتاب!
“عندما هفا طائر النوم إلى بناء عشه في حدقتي، رأى الأهداب فارتعب من الشبكة”

.. من الذي استطاع، أفضل من ابن الحمراء، هذا الشاعر العربي الأندلسي، أن يسبر ما لا يُسبر من أعماق الأرق؟ (إميل سيوران)
في نهاية رواية “العمى” يقرر الكاتب أن يعيد لأهل القرية أبصارهم، فخرج الجميع محتفلين وفرحين. عندما تغيب الرقابة ويختفي النظام نرجع لحقيقتنا، هناك قدر من الوحشية في دواخلنا تنتظر الخروج، نخفيها حتى عن أنفسنا وتتفاوت قدراتنا في إخفائها حتى نتعايش مع بعضنا . إذا فهمنا حقيقتنا سنعرف إجابة السؤال.. لماذا نكتب؟.