لا تشاهد فيلم ليون

لا أعرف إن كان من قبيل المصادفة في طريق العودة من الصين ونحن نعبر الأجواء الهندية أن أختار مشاهدة فيلم درامي يغير الصورة النمطية لأفلام...

لا تشاهد فيلم ليون
لا تشاهد فيلم ليون

لا أعرف إن كان من قبيل المصادفة في طريق العودة من الصين ونحن نعبر الأجواء الهندية أن أختار مشاهدة فيلم درامي يغير الصورة النمطية لأفلام هوليود، ويجعلني أفكر مليًا في كثير من العبث الذي نعيشه بصورة يومية والتي تفرضها علينا حياة قد تكون قاسية وصعبة.

يتشابه الأشخاص والمواقف والظروف، وتختلف الأماكن، المعاناة ليس لها عنوان معروف.

الفيلم يتحدث عن (سارو) طفل في الخامسة من عمره ينتظر أخاه الأكبر في محطة القطار، وينام مكانه وعندما يصحى من نومه من شدة القلق والخوف يذهب ليبحث عنه في القطار الذي يتحرك حينها، ويأخذ معه الطفل الذي نام من التعب بعيدًا عن قريته بآلاف الكيلومترات، ويخرج من القطار في مدينة "كالكتا" الهندية المزدحمة التي لا يتحدث لغتها، وهو أصلًا لا يتحدث بشكل واضح نظرًا لصغر سنه، لك عزيزي القارئ أن تتخيل ما حدث بعدها، الطفل ذو الخمس سنوات الذي يشبه كل أطفال العالم يضيع في مدينة حسب قصة الفيلم لمدة شهرين، وينام في العراء ويتعرض لكل المواقف الخطرة والمرعبة التي لا يستطيع تحملها رجل راشد، كيف استطاع النجاة ؟ لا أعلم!

كثير من المفاجآت في هذا الفيلم وأولها أن القصة حقيقية وأن الكاتب هو بطل فيلم الطفل (سارو) الذي في غفلة من الزمان انتشله شاب بالصدفة من الشارع، وتم وضعه في ملجأ للأيتام وتلعب الصدفة دورها مرة ثانية عندما يتبناه زوجين من استراليا ويعيش معهم ويصبح شابًا ناجحًا، وبعد خمس وعشرين سنة يبدأ رحلة البحث عن ماضيه وأهله ووطنه.

ما هو الوطن؟

كثير من التعريفات الثقافية والأنثروبولوجية تشرح هذه الكلمة القليلة الأحرف العميقة المعاني.

هل كان وطنه شبة القارة الهندية التي لفظته طفلًا في الشوارع وحن للرجوع لها بعد خمس وعشرين سنة؟ أم وطنه الجديد استراليا الذي ضمه وأعطاه كل شيء الأمن والسعادة والنجاح؟

قد يكون جواب هذا السؤال معروف مسبقًا للكثيرين، لكنه أيضًا غير واضح لكثير من المهاجرين والحالمين بغد أفضل بعيدًا من موطنهم.

الزوجان الأستراليان اللذان تبنيا الطفل في محادثة عابرة مع طفلهما الذي كبر معهم حيث قالا له:

لم نتبناك لأننا لم نستطع الإنجاب، بل لأننا أعتقدنا أن في هذا العالم الكثير من المآسي والمعاناة، وأن من الأفضل أن نساهم في حلها ولو بجهد قليل بدلًا من التفكير في الإنجاب.

قد تكون هذه الجملة تحمل أعمق المعاني الإنسانية يؤمن بها الغرب ويمارسونها بكل شفافية، ومع بروز قضية اللاجئين مؤخرًا تبدو الصورة أكثر وضوحًا في العالم، هناك من يشردهم وآخرون يتاجرون بهم، وهناك من يساعدهم ويضمهم.

ثمانون ألف طفل يضيعون سنويًا في الهند، تبحث عنهم عائلاتهم، وتنفطر قلوبهم عليهم، ومثلهم كثير في مناطق الفقر والتوتر في العالم.

الطفل (سارو) قد يكون طفلك أو من أقاربك أو صديقك أو حتى أنت!

فقط تختلف الوجوه والأسماء والأماكن لذلك أنصحك عزيزي القارئ بعدم مشاهدة هذا الفيلم رغم أن له نهاية سعيدة حيث أن الطفل المشرد (بطل القصة الحقيقي) أصبح رجل أعمال ورجع لقريته وكتب كتابًا عنوانه (A long way home).

وأسس منظمة (lion heart) بالتعاون مع منتجين الفيلم لمساعدة  11  مليون طفل في الهند يعيشون في الشوارع.

تقول الكاتبة غادة السمان ( الوطن هراء, أية دار دافئة مريحة أملكها هي وطني)

لا أعلم كيف ستستطيع الكاتبة غادة السمان شرح هذه الجملة لبطل القصة الطفل سارو الذي أخذ يبحث بلهفه عن وطنه الذي ضيعه بعد خمس وعشرين سنة من العيش في وطن مختلف؟!